5 سنوات بالسجن والتعذيب.. هكذا أنهى «ضابط شرطة» حياة «حبيبة» الفنية

حبيبة محمد سعيد سالم، من مواليد مدينة الجيزة عام 1976، بدأت حياتها كممثلة وهي في ريعان شبابها، وسطع نجمها في أعمال فنية خلال تسعينات القرن الماضي، بينها (شباب تيك أواي، رجل مهم جدًا، بهلول في أسطنبول، سلام مربع للستات، وكان يوم حبك)، إلى أن لُفقت لها قضية مقتل زوجها الدبلوماسي، رغبةً في أمواله.

وفي هذا التقرير نرصد لكم قصة «حبيبة»..

وبسبب ورقة زواج عرفي من مليونير دبلوماسي قطري، يُدعى عطا الله جعفر، عثرت عليها الشرطة بجوار جثته بعد مقتله في حي الهرم، ديسمبر 1998، كانت سببًا في تحول مسار حياة الممثلة الشابة «حبيبة»، حينها، وبدلًا من نشر أخبارها على صفحات الفن، بات اسمها مرتبطًا بصفحات الحوادث، وظلت خلف القضبان 5 سنوات، تعرضت خلالها لأشد أنواع الظلم والتعذيب والإهانة.

وصدر ضدها حكم من محكمة جنايات الجيزة، يقضي بمعاقبتها بالأشغال الشاقة لمدة 10 سنوات، بناءً على اعتراف اغتصبه منها رئيس مباحث قسم الهرم الأسبق؛ وبعد أن أمضت في السجن 5 سنوات، أراد أحد الجناة الحقيقين بيع ساعة ذهبية كانت خاصة بزوجها، كُشفت الحقيقة، وألقي القبض عليه، وعلى الفور اعترف المجرم الحقيقي بارتكاب الواقعة بالمشاركة مع آخرين.

بعد القبض على الجناة تم إعادة فتح القضية، فتقدمت بطعن، وقضت محكمة النقض في 17 أبريل عام 2004، بإلغاء حكم سجنها وإعادة أوراق القضية إلى محكمة استئناف القاهرة لنظر القضية من جديد، وفي مايو 2005، قامت محكمة جنايات الجيزة، بإعادة محاكمتها والمتهمين الخمسة بتهمة قتل زوجها، ومحاكمة رئيس مباحث الهرم الأسبق بتهمة تعذيبها وإجبارها على الاعتراف بقتل الدبلوماسي القطري.

وأثناء إحدى جلسات المحاكمة، يناير 2006؛ تسلمت هيئة المحكمة، برئاسة المستشار سمير أبو المعاطي، خطابًا من مساعد وزير الداخلية لقطاع الشئون القانونية، جاء به أنه بالتنسيق مع الإدارة العامة لشؤون الضباط، وبالرجوع للسجلات الإدارية تبين عدم سابقة اتهام الضابط، في أي جرائم تعذيب من قبل، وقدمت النيابة صورة ضوئية في ملف خدمة الضابط، وأفاد بنفس ما جاء في الخطاب الأول.

وبعد 3 سنوات من إجراءات إعادة المحاكمة، تمت تبرئتها مرة أخرى، وتم إدانة ومعاقبة 6 متهمين بالسجن المشدد ما بين 10 إلى 15 عامًا، وفي مطلع أكتوبر 2012، قضت محكمة استئناف القاهرة، بإلزام وزارة الداخلية بدفع مبلغ وقدره مليون جنيه، تعويضًا عن تعذيب الفنانة حبيبة، وعن كل الأضرار المادية والأدبية التي تعرضت لها، في الوقت الذي أكد فيه محمد زارع، محامي الممثلة، هذا الحكم أنه يعد أكبر مبلغ تعويض يصدره القضاء المصري في قضية تعذيب، واصفًا القضية بأنها قضية «تعذيب القرن».

وقالت المحكمة إنها أطمأنت إلى ثبوت ارتكاب رئيس المباحث لجناية التعذيب ضد المدعية بالحق المدني «حبيبة» لحملها على الاعتراف بقتل عطا الله جعفر، وبتوافر أركانها المادية والمعنوية في حقه، والتفتت المحكمة عن جميع دفوعه لقيامها على افتراضات وتصورات تخالف التصور الذي اعتنقته المحكمة واطمأنت إليه من أدلة الدعوى، ورأت المحكمة أنه وأن كانت الجريمة التي اقترفها المتهم، رأى المُشرع في خطورتها ما يستوجب وضعها في عداد الجنايات، ومعاقبة مرتكبيها بالسجن الذي يصل إلى 10 سنوات، إلا أن المحكمة ترى النزول بهذه العقوبة إلى عقوبة الحبس سنة مع إيقاف تنفيذها لاعتبارات ارتاحت إليها المحكمة من واقع مطالعتها لملف خدمة المتهم، وبأنه لن يعود إلى ما ارتكبه ثانيةً، واضعة في اعتبارها ما عاناه أثناء إجراءات التحقيق والمحاكمة، خاصةً أنها لم تأمر بإيقاف تنفيذ عقوبة العزل من وظيفته، مراعية أن في تلك العقوبة جزاءً لما ارتكبه.

وترجع وقائع الدعوى، عندما أقامت «حبيبة» دعوى تعويض ضد ضابط المباحث المتهم ووزير الداخلية بصفته، لتعويضها عما أصابها من أضرار نتيجة تعذيبها وقضائها 5 سنوات مسجونة بتهمة قتل زوجها واعترفت بالجريمة، نتيجة للتعذيب الذي لاقته من قِبل ضابط المباحث، وقضت محكمة أول درجة لصالحها بالتعويض وقدرة 150 ألف جنيه، واستأنفت حبيبة هذا الحكم وقيد تحت رقم 3751 لسنة 129 قضائية الدائرة (4) تعويضات، والتي قضت بتعويضها بمبلغ قدره مليون جنيه.

تروي «حبيبة» تفاصيل الواقعة، خلال حوار لها مع الإعلامية هالة سرحان، ببرنامج «ناس بوك»، عبر فضائية «روتانا مصرية»، بعد صدور حكم تعويضها بمبلغ مليون جنيه، واصفةً ما حدث لها بـ«الفليم السينمائي»، وتقول: «في يوم 1 رمضان 1998، كنا بنفطر، قالولي عايزينك في كلمتين وهترجعي تاني، أخدوني متغمية عشان معرفش مكاني، كل ده وأنا معرفش أخدني ليه، ومكنتش أعرف إن زوجي اتقتل، أول ما فتحت عينيا لقيت نفسي على كرسي بـ3 أرجل ومتكتفة، ولقيت عدد كبير من الرجالة حواليا ومش لابسين ميري، ابتدوا فيّا شتائم وإهانات».

تتابع: «سألوني إنت قتلتي جوزك ليه؟ قولتلهم أكيد في حاجة غلط، لأني كنت بفطر عشان أنزل أصور مسلسل (السيرة الهلالية) مع الأستاذ مجدي أبو عميرة، أول ما قولت جايبني هنا ليه لقيتني بضرب وبتهان، فيهم واحد كان ضخم جدًا شالني فوق ورزّعني في الأرض بقوة ومن غير رحمة، الإحساس وقتها بيبقى صعب جدًا ومحدش يقدر يحسه غير اللي عاشه قبل كده، أما تلاقي نفسك بتتشتم بأمك وأبوك وبتتهان وبتتضرب، حتى جوزي اللي مات قالولي أهو كلب وراح، هددوني بهتك العرض، وهو ده اللي خلاني أعترف، قولتلهم أكتبوا اللي إنتوا عايزينه بس محدش يلمسني، على الأقل أموت بكرامة وأموت مظلومة».

وعن أصعب لحظاتها في السجن؛ قالت: «حصل زلزال وأنا في السجن، والناس كلها بدأت تعيط من الخوف، وفي واحدة ماتت من الخوف جوه العنبر اللي كنت فيه، بقينا ننادي عشان حد يلحقها، حتى السجانات اللي في السجن كان مقفول عليهم ومش معاهم مفتاح، تخيلي إن بني آدمة قدامنا بتموت وعايزين ننقذها ومش عارفين، إيه أكتر من كده ممكن أشوفه؟ أنا قولت وقتها إن كل حاجة انتهت، خاصة إني كان ممكن أكون مكانها.. كمان كان صعب جدًا إني بشوف أهلي بالدقيقة، كلمة خلاص الزيارة انتهت بترن في وداني، تبقى مامتي وحشاني وعايزة أقعد معاها ومش قادرة، كانت دايمًا الله يرحمها وهي ماشية تعيط، كانت عارفة إني مظلومة، وعارفة إنها ممكن متشوفنيش تاني».

تضيف: «الفلوس متعوضش يوم من كرامة البني آدم اللي ضاعت جوه السجن، الإهانة متساويش فلوس، وإلا مكنتش اعترفت على نفسي وكنت رايحة لحبل المشنقة برجلي، اعترفت طبعًا تحت التعذيب، أنا كان عسكري بيدخلني الحمام، وقبل ما أروح النيابة يجيبولي كوافير عشان يخلي شكلي كويس وميكونش في آثار للتعذيب، وكل ده عشان نجمة زيادة ويترقى».

وفي تصريحات أدلت بها لـ«إيلاف»، نُشرت بتاريخ 10 أكتوبر 2012، أوضحت أنها تزوجت الدبلوماسي القطري عرفيًا نظرًا لطبيعة عمله التي لم تسمح له بالإعلان عن هذا الزواج، لكن والدتها كانت على علم به وتفهمت الموضوع، بينما لم تخبر والدها لرفضه زواجها عرفيًا منه، خاصة أن طبيعة عمل الدبلوماسيين ربما تحتاج إلى نقل إقامته من مكان الى آخر بشكل مفاجئ.

تستكمل: «ما زلت أتذكر كافة تفاصيل ما حدث معي، فالتعذيب داخل قسم الشرطة لم يكن أحد يتدخل لوقفه، عشت أسوأ أيام حياتي لمدة 8 أيام متواصلة لدرجة جعلتني غير قادرة على الإحساس بالحياة وأتمنى الموت»، موضحةً أن أسرة زوجها في قطر أبلغت الرئاسة المصرية بشكل رسمي أنه لا يُعقل أن تكون هي المتهمة بقتله، خاصةً أنه تلقى 30 طعنة.

أشارت إلى أن هناك ملاحقة قضائية جديدة بينها وبين الضابط الذي لا يزال يخدم في وزارة الداخلية، مشيرة إلى أنه يحمل الآن رتبة لواء، ولم تتم إقالته على الرغم من صدور حكم قضائي بعزله من وظيفته لمدة عام، مؤكدةً أنها تلقت تهديدات أخرى منه بعد حكم برائتها، موجهة رسالة لرجال الشرطة، قائلة: «عمل ضابط الشرطة يمنحه الكثير، ومن حق المواطن عليه الكثير، ويجب أن يقدم ما له وما عليه، فالعلاقة بين المواطن والشرطة يجب أن تقوم على الاحترام، وأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته».

وبعد عقاب ظل لسنوات على جريمة لم ترتكبها، انتهى دور «حبيبة» كممثلة وانتهت حياتها الفنية، بعد عزوف المنتجين عن التعاون معها، حتى بعد الإفراج عنها وظهور براءتها.